ابن تيميه

166

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ الزخرف : 45 ] . وقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] . وقال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] . وقال تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [ آل عمران : 79 ] إلى قوله : مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 80 ] . والحج إلى قبورهم ودعاؤهم من دون اللّه من الشرك بهم واتخاذهم أربابا ، قال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً [ الأنعام : 161 ] إلى قوله : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الأنعام : 163 ] . فمن أمر الناس أن يحجّوا إلى قبر مخلوق أو يدعوه ؛ فقد أمرهم أن يجعلوا صلاتهم ونسكهم لغير اللّه ، وهذا من الأئمة الذين يدعون إلى النار ، لا من أئمة الهدى والتقى . فالقولان اللذان ذكرهما هما القولان المعروفان عن علماء المسلمين وأئمة الدين ، وما عرف لهم قول ثالث . فمن قال قولا ثالثا فحسبه أن يحكي قوله ويبيّن خطؤه ، لا يجعل قوله مقدّما على أقوال السلف الماضين وأئمة الدين وعلماء المسلمين . ولم يخالفهم أحد بحجة في الدين ، ولا نقل قوله عن أحد من أئمة المسلمين ، ولكن حججهم من جنس هذا وأمثاله . وقد صنف من هو أفضل منه ، مصنفا أكبر من مصنفه ، وحججهم كلها يشبه بعضها بعضا ، ليست من حجج علماء المسلمين ولا ينقلونها ، ولا موجبها عن أحد من أئمة الدين ، بل هي من جنس حجج النصارى والمشركين ، إما نقل عن الأنبياء هو كذب عليهم ، كالأحاديث التي يحتجون بها في أنه رغّب في زيارة قبره ، وكلها كذب ، كما يحتج النصارى وأهل البدع بما يفعلونه من الكذب على الأنبياء . وإما ألفاظ متشابهة يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ، ويضعونها على غير مواضعها ، ويدعون المحكم المنصوص كما تفعل النصارى وأهل البدع ؛ يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، ويدعون المحكم المبين الذي هو أم الكتاب . وإما احتجاجهم بقول من ليس قوله حجة ولا يجب اتباعه . وإما أحوال شيطانية ؛ وهذه حجج النصارى وأمثالهم ، وأهل الضلال المخالفين للأنبياء وأئمة الهدى ، كما قال تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] فلا نقل مصدّق ولا بحث محقّق ، بل هذيان مزوّق ، يروج على هذا وأمثاله من الجهّال الذين لا يعرفون دين المسلمين في هذه المسألة وأمثالها ، ولا يفرّقون بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان ، ولا بين الأنبياء والمرسلين أهل التوحيد والإيمان ، وبين أهل البدع المضاهين لعبّاد الصلبان . وأما قوله : « فمقتضى ذلك أن يسوّى بينه وبين السفر لقتل النفوس إلخ » .